شمس الدين الشهرزوري
144
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
وأمّا الضرورة بحسب المحمول ، كقولنا : « بالضرورة كل إنسان ماش ما دام ماشيا » ، فنقول : إنّ نسبة المشي إلى الإنسان في حال مشيه لا يكون واجبا بل هو ممكن ؛ وكون الشيء مستمر الوجود أو العدم لا يخرجه ذلك إلى الوجوب والامتناع ، بل هو ممكن ؛ ففي الأعيان ليس إلّا الإنسان والمشي ووجوده واستمراره له وذلك لا يوجب الضرورة ، وأمّا في الأذهان فيصح الحكم عليها بالضرورة . والضاحك والكاتب وأمثالهما من الخواص إنّما تكون نسبتها إلى الإنسان ممكنة إذا أخذت بالفعل ؛ وإلّا فجميع الاستعدادات بالنسبة إلى ما هي استعداد لها تكون ضرورية النسبة بحسب الذات . ومنها ، أنّ بعضهم زعم أنّ الدائم في الكليات غير ضروري . وهو خطأ ، فإنّه إن عنى بكون الدائم غير ضروري لأنّه « 1 » لا علة له في الأعيان ترجّح وجوده ، فهو فاسد إذ ما لا يجب لا يقع ؛ وإن عنى بالنسبة إلى حكمنا ، فإنّ حكمنا إنّما يكون على جميع الآحاد إن كان لمشاهدة البعض ، فلا يصح الحكم كليا ؛ كمن لم ير إلّا « 2 » الأتراك فحكم أنّ كل إنسان أبيض . وإن كان العلة لوجود ذلك الدائم نفس الطبيعة والماهية فحصلت الضرورة . وأيضا فكل ما لم يكن جزءا ولا لازما للماهية لا يتمكن العقل من « 3 » الحكم بدوامه لماهيته في الآحاد ؛ لا يدوم شيء كلى إلّا بسبب ضرورة مستمرة ؛ لأنّ دوام الممكن يحتاج إلى علة ، وتلك العلة قد تكون نفس الطبيعة وقد تكون من خارج « 4 » ، فدوام الوجود للمجردات « 5 » والأفلاك وحركاتها ليس من ذاتها بل من العلة الفاعلية الغير المتغيرة ؛ فالحكم بالدوام لا يكون إلّا لمن يعتقد ضرورة أو لزوما دائما . هذا حكم الدوام في الكليات . وأمّا في الجزئيات المشخصة ، فإنّ السواد الدائم لزيد مثلا لا يمكن أن
--> ( 1 ) . ن : أنّه . ( 2 ) . ت : - إلّا . ( 3 ) . ت : في . ( 4 ) . ت : + الطبيعة . ( 5 ) . ت ، ب : المجردات .